لاتنفذون الابسلطان





لا تنفذون إلا بسلطان ..... ( السلطان هو: الوقود الشديد الاحتراق، الشديد الإضاءة) .... ملحق به بيان
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)) الرحمن.
لقد أرشدتنا آيات سورة الرحمن إلى أن النفاذ من أقطار السموات لا يكون إلا بسلطان،
والسلطان من حيث اللغة قد بينه امرؤ القيس قبل (16) قرنًا ....
ونحن المسلمون لدينا أصدق، وأعظم هدية من الله تعالى، كتابه الصادق المعجزة الذي أنزله بلساننا،
وما زلنا لا نفقه معنى السلطان بأنه هو الوقود الشديد الإضاءة عند اشتعاله ....
أو أننا لا نربطه بالزيت المشتعل مستبعدين آلية استعماله في النفاد..........
وهل استطاع الغرب النفاذ إلى الفضاء بغير هذا السلطان؟!
فكلنا يرى ويشاهد قوة الاشتعال، وشدة الإنارة في قاعدة الصواريخ وهي منطلقة إلى الفضاء، حاملة لرواد الفضاء، والأقمار الصناعية،
وكان من المفروض أن نصل نحن إلى هذا قبل أن يسبقونا إليه، ولو في الفهم على الأقل، لأن عندنا إشارة إليه من الله تعالى،
أو لو كنا نتدبر القرآن العربي بفقه أعلى للغة العربية التي أنزل بها، فهي المفتاح للقلوب المقفلة؛
ففي لسان العرب وغيره: سلطان جمع سليط، والسليط هو زيت السمسم .... وقد سمي زيت الزيتون بنفس الاسم بعد ذلك، لأن يستعمل كزيت السمسم في نفس الغرض؛ أي في السُّرج (جمع سراج)،
وذلك لأن اشتعال القليل منه يضيء البيت والمكان الواسع، ويغلب الظلام الكثير ويزيله؛ بأشد من من اشتعال أضعافه من الحطب والفحم وغيرهما،
قال امرؤ القيس قبل نزول القرآن بقرنين :
يضيء كضوء سراج السليط لم يجعل الله فيه دخانا
وقد جاء استعمال مادة "سلط" الجذري في؛ غلبة القليل الكثير بيسر وسهولة، دون أن يرده شيء، أو يتمكن من رده؛
ومن ذلك سمي الحاكم بالسلطان؛ لأن أمره ينفذ في رعيته ولا يرد، ولو أمر بقتل العدد الكبير، مع أنه مجرد فرد واحد من أمته،
والسلاط: أسنان المفاتيح لأنه لها فعل فتح الأقفال الثقيلة بكل يسر وسهولة، ولو حاولت فتح الأقفال دونها لشق الأمر وثقل، أو امتنع.
والسلاط: السهام الدقيقة الطويلة، التي تنفذ من الرمية بيسر وسهولة، خلاف السهام الغليظة،
وكل آية آتاها الله تعالى لأحد من أنبيائه وصفت بأنها سلطان؛ لأنه لا أحد يستطيع ردها، وإبطال دلالتها.
وهذا السلطان: (الوقود)؛ شديد الإضاءة عند اشتعاله، هو الذي يدفع الصاروخ نحو الفضاء متغلبًا على جاذبية الأرض ومادة السموات الغازية،
ويدور بعد ذلك حول الأرض دون أن يرتد إليها ثانية حتى نرده نحن،
وقد أشارت آيتا سورة الرحمن تفاصيل الخروج إلى الفضاء والعودة منه، وبكل الاحتياطات المطلوبة في هذه الرحلات كما فعل الإنسان في غزوه للفضاء،
وخاصة في مدلول كلمة (أقطار)، وما يستنبط من فهمها، مما يضيق المقام عن تفصيله إلا في صفحات عديدة ....
هذه التفاصيل في الآيات كامنة في بطون مفرداتها التي لم تبحث جذورها، وما زلنا في نومنا العميق عنها.
لكننا نشير إلى أن النفاد في استعمال اللغة ينقسم إلى نوعين؛
- نفاذ يظل له ارتباط، كنفاذ جزء من السهم من جسد الرمية، وبقاء جزء منه فيها،
- ونفاذ يمر منها ويتعداها،
وكان النفاذ من أقطار السماوات على نوعين؛
- نفاذ ظل له ارتباك بالأرض ويدور النافذ من مراكب وأقمار صناعية حول الأرض،
- ونفاذ تعداها إلى باقي المجموعة الشمسية، وإلى ما وراءها، وانقطعت علاقة النافذ بالأرض وما حولها.
ولو قدر لنا الفهم بأن النفاذ يحتاج إلى وقود شديد الإضاءة،
وشدة الإضاءة لا تكون إلا من شدة الاحتراق؛
لفكرنا منذ قرون طويلة كيف نجعل من الوقود السائل، شديد الاحتراق، قوة دافعة للنفاذ،
لوصلنا إلى الانتفاع من قوة الدفع التي تتولد من الاحتراق، واستعمالاتها من السيارة إلى الصاروخ والطائرة، قبل غيرنا من الأمم ...
ولكن هل نعلم هذا الأمر؟ .... أم ما زلنا على الجهل الذي نحن فيه، ونشك في ذلك؟.
أم أن الفقه في اللغة العربية من جذورها إلى حروفها لم يصل إلى الدرجة التي نفقه كتابنا على وجه الأكمل؟!.
قال تعالى : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) يوسف،
وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)) الزخرف.
وفسر السلطان بالعلم أيضًا .... والعلم إن كان من القوة ما لا يبطله ويدحضه شيء آخر، فيصح تسميته بالسلطان،
والنفاذ لا يتم بالقوة فقط، بل يحتاج إلى علم دقيق لضبط الأمور حتى يتم النفاذ.
فاستعمال الآلات، والانتفاع بالوقود في عملية الدفع يحتاج إلى علم للنجاح فيه.
والنفاذ من بعض أقطار السموات أو كلها له سبيل واحد هو ما أرشدت إليه الآية.
لقد أنزل الله تعالى قرآنًا عربيًا 00 لعلنا نعقل هذا القرآن ....
وجعل الله تعالى كتابه قرآنًا عربيًا 00 لعلنا نعقل هذا القرآن ....
فطريق فهم القرآن، والفقه فيه، وإدراك ما فيه؛ هو الفقه في اللغة العربية،
وكلما زاد فقهنا في اللغة زاد إدراكنا لما في كتاب الله ....
فنسأل الله تعالى أن يتم علينا فضله بما يبسط علينا فيه من علوم ....
وهذا المعنى بسط لنا جديد في المعاني لم نكن ندركه، أو نتفطن له؛ لولا مشاهدتنا للواقع الذي يدل عليه،
وفسر السلطان بأمر الله، ولا شيء في الكون يحدث ولا يقدر إلا بأمر من الله، وإن قدر بمنعه منع ولم يحدث0
وأما ربط التحدي والنفاذ باليوم الآخر لقوله تعالى قبل ذلك: (سنفرغ لكم أيها الثقلان(31) الرحمن، فالعلاقة قائمة بينهما، ويوم القيامة يوم حساب، ومن استطاع أن يفر ويهرب من أقطار السموات والأرض، قبل أن يأتي ذلك، ويحاسب على عمله، فليفعل الآن في الحياة الدنيا، لأنه تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى(55) طه، أما يوم القيامة فلا يملك الإنسان يومئذ شيئًا، حتى ملابس تستره، ولا إمرة له على أحد حتى أعضاءه تشهد عليه، والعمل الجماعي معدوم، والكل يفر من الكل حتى من أقرب الناس إليه...من أخيه، وأمه وأبيه، وزوجه وبنيه.
والملاحظ أن المراكب الفضائية تحطمت قبل نفاذها إلى الفضاء الخارجي، أو بعد عودتهم وقبل الوصول إلى الأرض، وجميع جثثهم عادت إلى الأرض.... ولا أستبعد أن يكون سبب هلاكها بعضها أنهم حملوا فيها جثث أموات لإرسالها إلى الفضاء الخارجي ... فقدر الله تعالى هلاكها، وهلاك من فيها، حتى لا تغادر جثثهم الأرض، وتذهب بعيدًا في الفضاء ... فليس مستبعد عن هؤلاء شيء... وإن كان إعادة الإنسان إلى الحياة لا تحتاج إلا إلى خلية واحدة تبعث فيها الحياة فقط، والله على كل شيء قدير0
والقرآن حمال أوجه ....
وتدبر القرآن واجب .....
هذا والله تعالى أعلم....
أبو مسلم عبد المجيد العرابلي

بسم الله الرحمن الرحيم
بيان توضيحي لمعنى السلطان
إن فهم السلطان مرتبط بالآية نفسها، وبالآيات التي قبلها، والتي بعدها، وبلغة العرب، واستعمال القرآن، وبالآيات القرآنية المتعلقة بها، وبالأحاديث الصحيحة إن وجدت وهي قليلة، وبأقوال الصحابة والتابعين وأهل العلم، ومعرفة عدة أمور أخرى كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.
وقبل كل ذلك فإن كتاب الله تعالى قائم على الإعجاز اللغوي، فالقرآن الكريم لا يفهم إلا باللغة العربية، وما ترشد إليه، وكل الباقي يكون موافقًا له لا يعاضه0
ووصف القرآن بأنه عربي ورد في سبعين آية، وبين تعالى أن الله تعالى أنزال القرآن عربيًا، وجعله تعالى عربيًا، ثم بين تعالى أنه جعل ذلك لعلة: وهي لكي يعقلونه، فكتاب الله يعقل باللغة التي أنزل فيها، وكمال فهمه لا يكون إلا بكمان الفقه باللغة التي زل بها.
أما القول بأنه ليس كل ما في القرآن يفهم باللغة، وهو قول يتردد كثيرًا، وهو قول خطر، لا أدري من صاحبه ..... ومتى بدأ ترديد هذا القول..... وهو مخالف ما نص عليه القرآن.
وعلوم اللغة لم تبلغ رقيها والتقعيد لها بين يوم وليلة.
حتى أن أهل مكة احتجوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بأن هناك ألفاظًا من القرآن لا يعرفونها؛ مثل قسورة، وكبارًا، وعجاب، وأنه نزلت آيات فيها كلمات بلغة قبائل أخرى غير لغة قريش0
وقد وقف أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما عند آية وهو يخطب "وفاكهة وأبًا" قال ما أبا 000
وفسر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: (إنه ظن أن لن يحور) أن لن يرجع بعد سماعه أعرابية تنادي ابنتها قائلة لها: حوري، تطلب منها الرجوع، ولم يكن يعلم تفسير الآية من قبل، وهو الذي استشهد بثلاثمائة بيت من الشعر في الرد على أسئلة الخوارج الأزارقة 000 ففتح رضي الله عنه بابًا واسعًا لفهم القرآن بلغة العرب0
فكان أن قام العلماء بعد ذلك يجوبون البوادي، ويختلطون بالقبائل، لجمع مفردات اللغة، واستعمالاتها 000 حتى كان من جمعها هذه القواميس التي تضم ملايين المفردات.
ومن جانب آخر، كان للنحو علماؤه الذي يقعدون له القواعد
وعلماء للصرف والاشتقاق.
وللشعر علماؤه .
وللبلاغة والبيان علماؤه.
وكلما تقدمت الجهود انعكس ذلك على فهم القرآن الكريم.
وقد يجيد العالم أحد العلوم ولا يجيد علمًا آخر0
ولكن هناك علمان لم يعملوا بهما علماء العربية:
- علم معاني الجذور.
- وعلم معاني الحروف الهجائية، أي حروف المباني وليس حروف المعاني.
والجهل بهذين العلمين له آثاره السيئة التي انعكست على كل العلوم.
ولذلك نجد الأقوال المتباعدة، أو المتضاربة في تفسير الشيء الواحد، والكلمة الواحدة .... كل يدلي بأثر وقع الكلمة عليه. ويقارنها بالمترادفات .. والمترادفات لا يكون التطابق بينهما كاملاً .. لأن كل واحد منها من جذر مختلف، ولكل جذر استعمال خاص به0

نعود إلى آية النفاذ.
قال تعالى قبلها : (سنفرغ لكم أيه الثقلان(31) الرحمن، ومعنى الآية أن سيأتي يوم لا يكون فيه إلا محاسبتكم، ["سنفرغ لكم" سنقصد لحسابكم "أيها الثقلان" الإنس والجن /الجلالين]
[وَأَمَّا تَأْوِيله : فَإِنَّهُ وَعِيد مِنَ اللَّه لِعِبَادِهِ وَتَهَدُّد]، [سَنُحَاسِبُكُمْ , وَنَأْخُذ فِي أَمْركُمْ أَيّهَا الْإِنْس وَالْجِنّ , فَنُعَاقِبُ أَهْل الْمَعَاصِي , وَنُثِيبُ أَهْل الطَّاعَة ./الطبري]، [وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى وَعَدَ عَلَى التَّقْوَى وَأَوْعَدَ عَلَى الْفُجُور , ثُمَّ قَالَ : " سَنَفْرُغُ لَكُمْ " مِمَّا وَعَدْنَاكُمْ وَنُوصِل كُلاًّ إِلَى مَا وَعَدْنَاهُ /القرطبي]
بعد هذا التهديد والوعيد بالذي سيحدث يوم القيامة، قال تعالى : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان (33) الرحمن
- فهل هذا الخطاب موجه للإنس والجن في الحياة الدنيا أم الآخرة؟
في هذه الآية الخطاب موجه إلى معشر الجن والإنس ، وهو خطاب موجه إلى جمع بصفة معينة "معشر" وهو من العشرة التي تقتضي المخالطة والتعاون،
- فهل هذه العلاقة قائمة في يوم القيامة كما هي في الدنيا؟
يقول تعالى: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) مريم
(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) مريم
(وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) ق
(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ 34 وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ 35 وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ 36 لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس،
هل هذا الحال الذي عليه الناس يو م القيامة يصلح أن يخاطبوا "يا معشر"؟
- أن النفاذ يحاج إلى وسائل ولا يكون النفاذ بقدرة الجسد فقط.
فهل ملك الناس ملابس يستروا عوراتهم يوم القيامة ... حتى يملكوا وسائل يستعملونها للنفاذ؟ !
- وهذا العمل يحتاج إلى تعاون ولا يستطيع فرد واحد أن يقوم به 00
وإذا فسرنا بأن هذا الخطاب موجه للناس يوم القيامة ... فلمن يوجه الخطاب ؟
لمن كتبت له الجنة؟! هل هذا محتاج للهروب من أقطار السموات والأرض؟!
فلم يبق إلا الكفار 00 فماذا تعالى يقول عن علاقة بعضهم ببعض؟
أقرب الناس للتعاون من كان بينهم تواد وخلة في الحياة الدنيا
قال تعالى: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) الزخرف
الإنسان يوم القيامة لا يملك أعضاءه فهي تشهد عليه ليقرر على شهادتها خلوده في عذاب جهنم.
الخطاب لا يحتمل إلا توجيهه للناس في الحياة الدنيا.

وكان هناك رأيان ؛ [وَقَالَ الضَّحَّاك أَيْضًا : بَيْنَمَا النَّاس فِي أَسْوَاقهمْ اِنْفَتَحَتْ السَّمَاء , وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَة , فَتَهْرَبُ الْجِنّ وَالْإِنْس , فَتُحْدِق بِهِمْ الْمَلَائِكَة , فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " ذَكَرَهُ النَّحَّاس . قُلْت . فَعَلَى هَذَا يَكُون فِي الدُّنْيَا , وَعَلَى مَا ذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك يَكُون فِي الْآخِرَة/ القرطبي].

ما الهدف من النفاذ:
- الهرب من الموت : [وَعَنْ الضَّحَّاك أَيْضًا : إِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنْ الْمَوْت فَاهْرُبُوا/القرطبي]، [فَانْفُذُوا هَارِبِينَ مِنَ الْمَوْت , فَإِنَّ الْمَوْت مُدْرِكُكُمْ , وَلَا يَنْفَعُكُمْ هَرَبُكُمْ مِنْهُ/ الطبري] [, لَوْ نَفَذُوا أَقْطَار السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانُوا فِي سُلْطَان اللَّه , وَلَأَخَذَهُمُ اللَّه بِالْمَوْتِ/الطبري]
- طلبًا للتعرف على علوم السموات والأرض: [وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض فَاعْلَمُوهُ , وَلَنْ تَعْلَمُوهُ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أَيْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى] وهذا الرأي من ابن عباس رضي الله عنهما رأي عظيم، فكل الجهود التي بذلت هي للتعرف عليهما، وأصبحنا نبني أخبار النشرة الجوية على تقارير الأقمار الصناعية، وبها نراقب الأرض وثرواتها، ونصورها، ونراقب التغيرات فيها، والتعرف على مكونات الطبقات الغازية، والتغيرات التي تحدث فيها كالتغيرات الذي حدث في طبقة الأوزون مثلاً0
- الهرب من أمر الله، وحكمه، وقدره: [فَتُعْجِزُوا رَبَّكُمْ حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَيْكُمْ , فَجُوزُوا ذَلِكَ , فَإِنَّكُمْ لَا تَجُوزُونَهُ إِلَّا بِسُلْطَانٍ مِنْ رَبّكُمْ/الطبري]، و[أَيْ لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْر اللَّه وَقَدَرِهِ بَلْ هُوَ مُحِيط بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّص مِنْ حُكْمه، وَلَا النُّفُوذ عَنْ حُكْمه فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ/ابن كثير]

ما معنى لا تنفذون إلا بسلطان؟:
1- أي لَا تَخْرُجُونَ مِنْ سُلْطَانِي./ الطبري، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : . " لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " لَا تَخْرُجُونَ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي عَلَيْكُمْ . وَقِيلَ : لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا إِلَى سُلْطَان / القرطبي0
2- إلا بحجة ... عن مجاهد / الطبري
3- إلا ببينة [وَأَمَّا قَوْله : { إِلَّا بِسُلْطَانٍ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ قَبْلُ , وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : إِلَّا بِحُجَّةٍ /الطبري
4- إلا بمَلك ....[ وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَّا بِمَلَكٍ وَلَيْسَ لَكُمْ مَلَك ...../وَقَدْ يَدْخُل الْمِلْك فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمِلْك حُجَّة /الطبري]
5- إلا بسلطان ومَلَكة من الله ...[إِلَّا بِسُلْطَانٍ مِنَ اللَّه , إِلَّا بِمَلَكَةٍ مِنْهُ . .... عَنْ قَتَادَة { لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } يَقُول إِلَّا بِمَلَكَةٍ مِنْ اللَّه . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ / القرطبي]

- هل النفاذ جائز ؟
النفاذ جائز لحصره تعالى بأداة استثناء لا تنفذون إلا بسلطان0

الملاحظ في كل التفاسير أنها لم ترفع تفسيرها إلى حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كلها كانت اجتهادات، والمجتهد له أجران إن أصاب وله أجر إن أخطأ0
لقد بينا أن مادة "سلط" التي منها "السلطان" استعملت في: غلبة القليل الكثير بيسر وسهولة، دون أن يحدث له ارتداد عنه؛ وبناء على هذا المعنى الجذري نناقش التفسيرات السابقة.

1- النفاذ إن حصل فلا يكون إلا نفاذ من ملك الله إلى ملك الله وما السموات والأرض إلا جزء يسير من ملك الله الواسع إذا فسرت الباء بمعنى إلى... ولو لم تفسر بذلك، فإن المعنى يظل قائمًا. ويظل استعمال الباء للاستعانة أو تكون سببية هي الأقوى؛ أي أن النفاذ يتم بسبب السلطان، أو الاستعانة بالسلطان. والباء لها معان كثيرة، وبمعنى إلى ضعيف، ويقتضي الأمر بهذا المعنى وجود ياء محذوفة 000 ولم يقل بهذا أحد.. وإن أريد بالسلطان الجبروت، فالله هو المتحكم في خلقه أينما كانوا0
2- أما تفسير إلا بسلطان: إلا بحجة ففيه نظر لأنه ليس كل حجة لا ترد؛ فالذي حاج إبراهيم عليه السلام في ربه، انتهى أمره بقوله تعالى: (فبهت الذي كفر)، وقوله عليه الصلاة والسلام: "لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فاقضي له بحق أخيه" فقد يكون صاحب الحجة الحق ضعيف في الدفاع عنها، وصاحب الحجة الضعيفة أقوى في الدفاع عنها، فيقضى له وهو لا يستحقها .... أما السلطان فلا يرده أحد، ولذلك نفى الشيطان يوم القيامة أن يكون له سلطان على من اتبعه بل دعاهم فاستجابوا له، وكل آية أنزلها الله تعالى، أو آتاها لأحد الأنبياء سماها سلطان، فما لأحد من الإنس والجن أن يقدر على رد آيات الله أو دحضها.
3- أما معنى إلا بسلطان: إلا ببينة، فهذا الموضع ليس بموضع بيان، لأن التحدي بأشياء مادية، وهي محتاجة لأشياء مادة، ووسائل مادية، من جنس المتحدي له0
4- أما تفسير إلا بسلطان: إلا بمَلَك ... وليس لهم مَلك، وأمر المَلَك يكون من الله، فالله هو الذي يأمره، وهم ينفذون أمره، وليس للبشر سلطة عليهم ... وطلب التحدي كان من الله.
5- أما تفسير إلا بسلطان: إلا بمَلكَة من الله ... وهذا الرأي هو الأقوى والأصوب كما قال القرطبي، فلولا العلوم التي فتحها الله عز وجل لما استطاع الإنسان النفاذ، فالله عز وجل ملك الناس من العلوم، والوسائل، حتى مكنه من النفاذ، وبهذه العلوم قدر كمية الوقود اللازمة، وطريقة اشتعالها، والسرعة التي يجب الوصول إليها حتى يتم النفاذ.
فقوله تعالى: إلا بسلطان، هو إرشاد من الله لبيان طريقة النفاذ، نفذها من لم ينزل عليه القرآن، وكان هذا الإخبار من الله تعالى ليعلم الناس أن الله تعالى يعلم ما يؤول إليه الناس يوم أنزل الكتاب، وما يحتاجون إليه بعد ذلك، فأنزله تعالى وجعله صالحًا لكل الأزمنة التي تأتي بعد زمان نزوله0
وأمر أخير في الآية: أن التحدي في الآية لكان لشيئين:
النفاذ من أقطار السموات باتجاه الأعلى وهو ممكن، لكنه لا يكون إلا بسلطان.
والنفاذ من أقطار الأرض باتجاه الأسفل وهو غير ممكن ... أما من أطراف سطحها فقد دار الناس حول الأرض بالوسائل البرية، والبحرية، والجوية، والاستمرار في جهة معينة يعيد الإنسان إلى مكانه من الجهة الأخرى0 ولا ينقله إلى أرض غير الأرض.
أما الخروج من أقطار مدينة أو بلدة يدخلك في غيرها مما لا يعد منها ... وهذا النفاذ غير ممكن لقوله تعالى: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران(35) الرحمن
وقد فصل تعالى بين النتيجتين بآية للتفريق بينهما.

ولماذا ربط الله تعالى بين النفاذ من أقطار السموات والأرض معًا؟
لأن النفاذ من أقطار السموات يحتاج إلى التغلب على جاذبية الأرض، واحتكاك غازات السماء معًا، حتى يتم النفاذ.
أما النفاذ من أقطار الأرض؛ فإن باطن الأرض الملتهب سيرسل مقذوفًا على الفاعل، وقبل ذلك، فإن الوصول إلى أعماق بعيدة، إن لم يسحقه ضغط الهواء، فسيسحقه ضغط الماء إذا تسرب إليه.
وفي الآيات جوانب أخرى .... لكن الحديث كان لبيان معنى السلطان.
وفقه الجذور علم يجب السعي إليه وسد النقص فيه حتى تنهض لغتنا، وينهض معها كل ما يعتمد عليها .... والله تعالى هو الأعلم .. وهو الذي علم الإنسان البيان وعلمه ما لم يعلم.
أبو مسلم / عبد المجيد العرابلي